لكل شئ – مهما كان صغيراً – أهميته التي من أجلها خلقه الله، وجعلنا نعمل حتى نكتشف تلك الأهمية.
فما بالكم اذا كان هذا الشئ كبيراً وهاماً وله كبير الأثر في حياتنا كـعلم ” الرياضيات”!!؟
فالرياضيات بتركيبها الدقيق غنية بصورة لا تضاهيها فيها غيرها في دقتها وقوة منطقها وشدة تناسقها والنظرية المبرهنة رياضياً والتي تمثل يقين عقلي بغض النظر عن اذا ما كان قد تم تطبيقه على أرض الواقع أم لا، الأهم أن يكون منطقيا مع نفسه..
أما في العلوم الإخبارية مثل الفيزياء والكيمياء والتي تعتمد على الحواس والتصورات لذا فهي تتعرض للتكذيب وترى نظرية جديدة تُبطل نظرية قديمة والشواهد كثيرة؛ لذلك سُميت الرياضيات بـ “ملكة العلوم”.
وذلك لا ينفي بأي حال من الأحوال أن التطور الذي حققه الإنسان هو ثمرة اتحاد الاستدلال الرياضي بالتجريب (الفيزياء وعلوم أخرى).
ومنذ قديم الأزل والرياضيات لها عظيم الأثر في كثير من الحضارات –إن لم يكن كلها- قديماً وحديثاً؛
ففي الحضارة البابلية، طور البابليون النظام الستيني المبني على أساس العد ستين وهذا النظام لازال يُستخدم حتى الآن لمعرفة الوقت، كما أن هذا النظام له أهمية في علم الفلك.

لوحة بابلية تحتوى على رياضيات، يعود تاريخها إلى ما يقارب ألف وثمان مائة عام قبل الميلاد اسمها بليمتون322
وفي الحضارة المصرية القديمة، تتضمن الأعمال الهندسية والمعمارية قدراً كبيراً من المعرفة بالحساب والهندسة، وقد استطاعوا سد حاجتهم في إيجاد طرقاً لإجراء الحسابات المعقدة؛ فهناك صولجان ملكي بمتحف الأشموليان بأكسفورد يرجع تاريخه إلى عهد الملك نارمر قبل الأسرة الأولى يسجل الاستيلاء على 120 ألف أسير، و400 ألف ثور، و1.422.000 من الماعز، وهذه أعداد كبيرة، وكانت منقوشة بطريقة قريبة من الطريقة الرومانية في كتابة الأعداد إلى حد ما، وكان بها استخدام للنظام العشري، وقد كتبوا أكبر الوحدات أولاً ثم أعقبوها بالوحدات الأخرى على حسب أهميتها.
كما أنهم برعوا في الهندسة، وذلك ما يبدوا من بناء الأهرامات، فقد تحتم على بناة الأهرامات أن يقطعوا كتل الحجر الجيري على مقاسات مضبوطة قبل وضعها على مواضعها المطلوبة، وأكبر هذه الكتل هي تلك التي رتبت ترتيباً معقداً فوق المقبرة الملكية بمثابة دعامات لتحويل الضغط عن سقفها، ويوجد من هذه الدعامات 56 دعامة لأسقف المقبرة الملكية في الهرم الأكبر، يبلغ متوسط وزنها 54 طناً، وبلغت الدقة التي رُوعِيَت في بناء هرم خوفو درجة لا يمكن تصديقها.

كما كان لديهم أيضاً طرائق متنوعة لتدوين كميات وأعداد حيواناتهم أو عدد الأيام بدءًا باكتمال القمر. واستخدموا الحصى والعقد الحبلية والعلامات الخشبية والعظام لتمثيل الأعداد. وتعلّموا استخدام أشكال منتظمة عند صناعتهم للأواني الفخارية أو رؤوس السهام المنقوشة.
أما الرياضيات عند الفرس، ففي بداية القرن الثاني عشر الميلادي ألف الشاعر والفلكي الفارسي عمر الخيام كتابًا هامًا في الجبر. ووضع عالم الرياضيات الفارسي نصير الدين الطوسي في القرن الثالث عشر الميلادي نموذجًا رياضيًا إبداعيًا يستخدم في الفلك.
في الحضارة الإغريقية، يعد علماء الإغريق أول من اكتشف الرياضيات البحتة بمعزل عن المسائل العملية. فقد قام الإغريق بعدما نقلوا الرياضيات الفرعونية استطاع تاليس (طاليس) في القرن السابع ق.م. أن يجعل الرياضيات نظريات بحتة حيث بين أن قطر الدائرة يقسمها لنصفين متساويين في المساحة والمثلث المتساوي الضلعين به زاويتين متساويتين. وتوصل بعده فيثاغورث إلى أن في المثلث مربع ضلعي الزاوية القائمة يساوي مربع الوتر. وفي الإسكندرية ظهر إقليدس بالقرن الثالث ق.م. و وضع أسس الهندسة التي عرفت بالإقليدية والتي مازالت نظرياتها تتبع اليوم. ثم ظهر أرخميدس باليونان حيث عين الكثافة النوعية.
أدخل الإغريق الاستنتاج المنطقي والبرهان، وأحرزوا بذلك تقدمًا مهمًا من أجل الوصول إلى بناء نظرية رياضية منظمة. وتقليديًا يعد الفيلسوف طاليس أول من استخدم الاستنتاج في البرهان، وانصبَّ جل اهتمامه على الهندسة، اكتشف الفيلسوف الإغريقي فيثاغورث طبيعة الأعداد، واعتقد أن كل شيء يمكن فهمه بلغة الأعداد الكلية أو نسبها.ولكن بعد ذلك اكتشف الإغريق الأعداد غير القياسية (وهي الأعداد التي لا يمكن التعبير عنها كنسبة لعددين كليين)، وأدركوا أن أفكار فيثاغورث لم تكن متكاملة. وفي حوالي 370 ق.م. صاغ الفلكي الإغريقي يودوكسوس أوف كنيدوس نظرية بالأعداد غير القياسية وطوّر طريقة الاستنفاد، وهي طريقة لتحديد مساحة المنطقة المحصورة بين المنحنيات، مهدت لحساب التكامل. وفي حوالي 300 ق.م قام إقليدس بتأليف كتاب العناصر، إذ أقام نظامًا للهندسة مبنيًا على التعاريف التجريدية والاستنتاج الرياضي. وخلال القرن الثالث قبل الميلاد عمَّم عالم الرياضيات الإغريقي أرخميدس طريقة الاستنفاد، مستخدمًا مضلعًا من 96 ضلعًا لتعريف الدائرة، حيث أوجد قيمة عالية الدقة للنسبة التقريبية باي (وهي النسبة بين محيط الدائرة وقطرها). وفي حوالي العام 150 ق.م. استخدم الفلكي الإغريقي بطليموس الهندسة وحساب المثلثات في الفلك لدراسة حركة الكواكب، وتمّ هذا في أعماله المكونة من 13 جزءًا. عرفت فيما بعد بالمجسطي أي الأعظم.
أما في الحضارة اليونانية، فقبل عصر بركليز يكاد على الحساب المتداول بين جمهرة اليونان أن يكون علماً بدائياً لم يدخل عليه إلا القليل من الصقل والتهذيب، فكان يُرمز لرقم 1 بشرطة عمودية ولرقم 2 بشرطتين، وبثلاث شرط لرقم 3 وبأربع للرقم 4، وكانت الأعداد 5، 10، 100، 1000، 10.000 يرمز لها بالحروف الأولى من الكلمات اليونانية التي تُسمى بها هذه الأعداد وهي:
Pente, Deka, Hekaton, Chilioi, Myrioi
ولم يضع علماء الحساب اليونانيون رمزاً للصفر. ومما يدل على أن علم الحساب اليوناني مصدره بلاد الشرق أنه أخذ عن المصريين النظام العشري فقد كانوا يعدّون بالعشرات، وأخذ عن البابليين في علمي الفلك وتقويم البلدان الطريقة الاثنى عشرية والستينية.
أما الهندسة النظرية فكانت من الدراسات المحببة إلى الفلاسفة، ولم تكن تُدرس لفائدتها العلمية بقدر ما كانت تدرس لفائدتها الذهنية التظرية وما فيها من استدلال منطقي خلاب، وما فيها من دقة ووضوح، وتفكير متتابع يبني بعضه على بعض. كذلك كانت دراسات الفيثاغوريين للقطع المكافئ، والقطع الزائد، والقطع الناقص هي التي مهدت السبيل إلى مؤلف أبولونيوس البرجي في القطاعات المخروطية، وهو المؤلف الذي كان عظيم الشأن في تاريخ العلوم الرياضية. تم نشر أبقراط الطشيوزي أول كتاب معروف في الهندسة النظرية وحل مشكلة تربيع المساحة الكائنة بين قوسين متقاطعين. وفي عام 420 ق.م أفلح هيبياس الآليائي في تقسيم الزاوية ثلاثة أقسام متساوية بالاستعانة بالمنحنى.
أما في الحضارة الإسلامية فللرياضيات شأن أخر، لا يسعنا إلا أن نسرده في موضوع منفصل.
لذا، انتظروا لقاء أخر مع ملكة العلوم ![]()
المصادر:
كتاب “العلم وبناء الأمم” للدكتور راغب السرجاني.
