السم.. وسيلة بدائية للقتل.. أودت بحياة رجل عظيم لتترك علامات استفهام حول سبب هذا الرحيل المفاجئ..
الدكتور علي مصطفى مشرفة.. ولد في دمياط عام 1898م، توفي والده عام 1909م تاركاً له عبئاً كبيراً ليحمله مما ساهم في بناء شخصية رجل يتسم بالصبر والجلد وحب الكفاح والشخصية التربوية.
التحق بمدرسة المعلمين العليا، ثم تم اختياره بعد ذلك لأول مرة لبعثة إلى انجلترا وذلك بعد تخرجه.
التحق بجامعة نوتنجهام حيث حصل منها على بكالوريوس علوم مع مرتبة الشرف، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة العلوم من جامعة لندن في أقصر مدة تسمح بها قوانين الجامعة وتحت إشراف العالم الفيزيائي الشهير تشارلس توماس ويلسون، ثم حصل على دكتوراه العلوم من جامعة لندن وهي أعلى درجة علمية.

أثناء وجوده بأنجلترا قامت ثورة 1919م بقيادة سعد زغلول، فأرسل مشرفة إلى صديقه محمود فهمي النقراشي يخبره برغبته للعودة إلى مصر للمشاركة في الثورة، فكان جواب النقراشي له: “نحن نحتاج إليك عالماً أكثر مما نحتاج إليك ثائراً، أكمل دراستك ويمكنك أن تخدم مصر في جامعات إنجلترا أكثر مما تخدمها في شوارع مصر“.
عاد إلى مصر بعد حصوله على الدكتوراه وتم تعيينه أستاذاً للرياضيات التطبيقية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم مُنح درجة أستاذ في عام 1926 رغم اعتراض قانون الجامعة على منح اللقب لمن هو أدني من الثلاثين.
أعتُمد الدكتور علي عميدا للكلية ثم انتُخب للعمادة أربع مرات متتالية، كما انتُخب عام 1945 وكيلا للجامعة.
اتجه إلى ترجمة المراجع العلمية إلى العربية بعد أن كانت الدراسة بالانجليزية، فأنشأ قسماً للترجمة في الكلية. شجع البحث العلمي وتأسيس الجمعيات العلمية، وقام بتأسيس الجمعية المصرية للعلوم الرياضية والطبيعية والمجمع المصري للثقافة العلمية.
اهتم أيضا بالتراث العلمي العربي فقام مع تلميذه محمد مرسي أحمد بتحقيق ونشر كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي.
أحب الفن وكان يهوى العزف على الكمان، وأنشأ الجمعية المصرية لهواة الموسيقى لتعريب المقطوعات العالمية.
بدأت أبحاث الدكتور علي مشرفة تأخذ مكانها في الدوريات العلمية وعمره لم يتجاوز خمسة عشر عاماً، ففي الجامعة الملكية بلندن نُشر له أول خمسة أبحاث حول النظرية الكمية التي نال من أجلها درجتي دكتوراة فلسفة العلوم ودكنوراه العلوم.
دارت أبحاث الدكتور مشرفة حول تطبيقه الشروط الكمية بصورة معدلة تسمح بإيجاد تفسير لظاهرتي شتارك وزيمان.
كذلك كان الدكتور مشرفة أول من قام ببحوث علمية حول إيجاد مقياس الفراغ، حيث كانت هندسة الفراغ المبنية على نظرية أينشتاين تتعرض فقط لحركة الجسيم المتحرك في مجال الجاذبية.
ولقد أضاف نظريات جديدة في تفسير الإشعاع الصادر من الشمس ، إلا أن نظرية الدكتور مشرفة في الإشعاع والسرعة عدت من أهم نظرياته وسببًا في شهرته وعالميته ، حيث أثبت الدكتور مشرفة أن المادة إشعاع في أصلها ، ويمكن اعتبارهما صورتين لشيء واحد يتحول إحداها للآخر.. ولقد مهدت هذه النظرية العالم ليحول المواد الذرية إلى إشعاعات.
كان الدكتور علي أحد القلائل الذين عرفوا سر تفتت الذرة وأحد العلماء الذين حاربوا استخدامها في الحرب.. بل كان أول من أضاف فكرة جديدة وهي أن الأيدروجين يمكن أن تصنع منه مثل هذه القنبلة.. إلا أنه لم يكن يتمنى أن تصنع القنبلة الأيدروجينية ، وهو ما حدث بعد وفاته بسنوات في الولايات المتحدة وروسيا..
تُقدر أبحاث الدكتور علي مشرفة المتميزة في نظريات الكم والذرة والإشعاع والميكانيكا والديناميكا بنحو خمسة عشر بحثًا.. وقد بلغت مسودات أبحاثه العلمية قبل وفاته إلى حوالي مائتين.. ولعل الدكتور كان ينوي جمعها ليحصل بها على جائزة نوبل في علوم الرياضيات.
دُعيَ من قبل العالم الألماني الأصل ألبرت أينشتاين للاشتراك في إلقاء أبحاث تتعلق بالذرة عام 1945 كأستاذ زائر لمدة عام، ولكنه اعتذر بقوله: “في بلدي جيل يحتاج إلي“.
كان الدكتور مشرفة من المؤمنين بأهمية دور العلم في تقدم الأمم ، وذلك بانتشاره بين جميع طوائف الشعب حتى وإن لم يتخصصوا به ، لذلك كان اهتمامه منصبا على وضع كتب تلخص وتشرح مبادئ تلك العلوم المعقدة للمواطن العادي البسيط ، كي يتمكن من فهمها والتحاور فيها مثل أي من المواضيع الأخرى ، وكان يذكر ذلك باستمرار في مقدمات كتبه ، والتي كانت تشرح الألغاز العلمية المعقدة ببساطة ووضوح حتى يفهمها جميع الناس حتى من غير المتخصصين مثل كتاب النظرية النسبية، الذرة والقنابل، نحن والعلم، والعلم والحياة؛ وكان من أهم اقواله :
( خير للكلية أن تخرج عالمًا واحدًا كاملاً .. من أن تخرج كثيرين أنصاف علماء )، هكذا كان يؤمن الدكتور مشرفة.
تمتعت كلية العلوم في عصره بشهرة عالمية واسعة؛ حيث عني عناية تامة بالبحث العلمي وإمكاناته، فوفر كل الفرص المتاحة للباحثين الشباب لإتمام بحوثهم.. ووصل به الاهتمام إلى مراسلة أعضاء البعثات الخارجية.
سمح لأول مرة بدخول الطلبة العرب الكلية؛ حيث كان يرى أن “القيود القومية والفواصل الجنسية ما هي إلا حبال الشيطان، يبث بها العداوة والبغضاء بين القلوب المتآلفة”.
توفي في يناير 1950م، في ظروف غامضة تؤكد أنه مات مقتولاً، إما على يد مندوب عن الملك فاروق أو على يد الصهاينة، ولكل منهما سببه في ذلك.
فقد قام دكتور مشرفة بتشكيل جماعة تحت اسم شباب مصر كانت تضم عدداً كبيراً من المثقفين والعلماء والطلاب وكانت تهدف لإقصاء الملك فاروق وإعلان مصر جمهورية مستقلة، وذاع أمر هذه الجماعة السرية ووصلت أخبارها إلى القصر الملكي، مما يُعطي القصر مبرراً لقتله.
أما الصهيونية فيكفي أن نقول أن نظرتهم للطالبة النابغة د. سميرة موسى لن تختلف عن نظرتهم لأستاذها د.مصطفى مشرفة ولعبت الصهيونية لعبتها القذرة وهي التصفية الجسدية وكانت نظرة واحدة تعني التخلص منهما ومن أمثالهما.
نعاه أينشتاين قائلاً: “لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه لايزال حياً من خلال أبحاثه، إننا في حاجة ماسة لمواهبه وهذه خسارة كبيرة. ولقد اعتدت على متابعة أبحاثه في الطاقة الذرية، وبالتأكيد هو واحد من أفضل علماء الفيزياء”، كما قال: “إنه خسارة للعالم أجمع”.
وقال أديب عبدالله: “لقد كان لظهور مواهب مشرفة في المجال العلمي أثر في كفاحنا القومي ضد النفوذ الأجنبي فقد عجل ظهور مواهبه بتحرير الإرادة المصرية في مجال العلوم من السيطرة الأجنبية وكان الساسة في كل بلد يتعلمون من مشرفة كيف يتم تحقيق الانتصار الضخم في كل مجال من مجالات الحياة”.
كما قدمته الإذاعة الأمريكية على أنه واحد من أبرز سبعة علماء في العالم ممن يعرفون أسرار الذرة.
كان من تلاميذه فهمي إبراهيم ميخائيل ومحمد مرسي أحمد وعطية عاشور وعفاف صبري وسميرة موسى ومحمود الشربيني.
أُطلق اسم الدكتور مشرفة على الشارع الذي كان يسكن به في القاهرة، وعلى شارع في الأسكندرية، وعلى شارع في دمياط، كما اطلق على المدرج الأول بكلية العلوم وعلى معمل قسم الرياضة بالكلية وعلى مدرسة إعدادية بدمياط.
كان من أقواله:
( لقد شهدت البشرية نشأة حضارات عديدة وازدهارها على سطح الأرض، لكن قليلاً من تلك الحضارات هي التي استمرت وبقيت، ومن ثم فلا بد أن نسأل أنفسنا عن سبب ذلك ، لقد فكرت في ذلك كثيراً ووجدت أن نبوغ مجموعة كبيرة من مواطني مجتمع ما كفيل بقيام حضارة مع وجود العوامل الأخرى المساعدة في قيام الحضارة، لكن اهتمام هذه المجموعة ببناء جيل يكمل بعدها المسيرة كفيل باستمرار حضارة تلك الشعوب ، لكن إن لم تهتم هذه المجموعة ببناء جيل جديد سوف تنتهي تلك الحضارة، وسوف تندثر وتزول بمرور الأيام، أعتقد أنني الآن أجبت عن سؤال يدور في عقل الكثيرين، وهو لماذا بقيت الحضارة المصرية شامخة حتى الآن؟ واندثرت غيرها من الحضارات؟ ).
رحم الله عالمنا الجليل.. لكم تحتاج مصر الآن إلى مثل هذا الرجل وأمثاله..
اللهم ارزق مصرنا رجالا مثله يحملون رايتها ويدفعونها للأمام…
المصادر:
أينشتاين العرب- د/ مصطفى مشرفة
الدكتور علي مصطفى مشرفة- فاروق مصر
